ابن بسام
247
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
فصل في ذكر الأديب أبي مروان ابن غصن الحجاري وإيراد طرف من خبره ، وحميد أثره [ 1 ] : وكان اقتبس من أنواع العلوم [ والآداب ] ما صار به في عالم عصره [ 2 ] علما ، وفي الكمال عالما ، وكان كما قرأته في فصل وصفه به أبو محمد ابن عبد البر في رقعة خاطب بها المعتضد ، قال فيها : أياديك - أيّدك اللّه - قد طبّقت ، ومساعيك قد أنارت وأشرقت ، فكلّ أفق بها بهج ، وكلّ قطر منها متضوّع أرج ، وكلّ همة بها موكّلة ، وكلّ نفس إليها منجذبة مسترسلة ، فإن أحسّ امرؤ من نفسه قوّة جنان ، وفضل بيان ، وتصرّف لسان ، فأقصى غرضه أن يحلّي بيانه بمآثرك ، ويفتق لسانه بمفاخرك ، ويطرّز ملاءة نظمه ونثره باسمك الأعذب ، ويشرّف مطرف قريضه / بذكرك العطر الأطيب ، ويتشرّف بالدخول إليك ، ويتمجّد بالمثول بين يديك ، ليحظى منك بالتجويز ، ويصحّ له دعوى السبق والتبريز ؛ وإنّ ممن استولى على الأمد الذي وصفته ، وحوى قصب السّبق فيما ذكرته ، الأديب الكامل أبو مروان ابن غصن الحجاري ، وهو كما علمت ممن لا يجارى في ميدان ، ولا يطاول بعنان ، إن نظم فبنيان مرصوص ، وإن نثر فلآلئ وفصوص ؛ انتهى كلام ابن عبد البرّ . قال أبو الحسن [ ابن بسام ] : ونكبه المأمون بن ذي النون [ 3 ] وله فيه « رسالة السجن والمسجون ، والحزن والمحزون » أودعها قصائد مطوّلات ، ومقطوعات أبيات ، ورسالة أخرى سمّاها ب « العشر كلمات » . وهو القائل في سجنه ، وكتب بها إلى
--> [ 1 ] انظر : الجذوة : 378 ( وبغية الملتمس رقم : 1546 ) ، والمغرب 2 : 33 ، والخريدة 2 : 12 ، والمسالك 11 : 447 ، والنفح 3 : 363 ، 423 ، والتكملة رقم 1690 ؛ واسمه عبد الملك بن غصن الخشني من أهل وادي الحجارة ، لقي أبا الوليد يونس بن عبد اللّه القاضي ، وحدث عنه بمقالة حنش الصنعاني في قرطبة ، وكان فقيها أديبا شاعرا صاحب منظوم ومنثور ؛ وكانت وفاته بغرناطة سنة 454 ه . [ 2 ] د ط : وقته . [ 3 ] ترجم ابن سعيد في المغرب 2 : 30 لمن اسمه عبد الملك بن حصن وقال : إنه كان من أعيان الوزراء وأعلام الكتاب والشعراء ، وذكر أنه هو الذي سجنه المأمون حتى تخلصه ابن هود من يديه ؛ ويعتقد الدكتور شوقي ضيف محقق المغرب أن هناك خلطا بين عبد الملك بن غصن الحجاري ، وعبد الملك بن حصن ، وأن هذا الخلط وقع فيه ابن بسام وابن الأبار ( التكملة رقم : 1690 ) وصاحب النفح ؛ وأنا أستبعد ذلك ، فإن ابن الأبار لم يقل أنه كان وزيرا للمأمون وإنما قال : « وامتحن بالمأمون بن ذي النون صاحب طليطلة فحبسه بسجن وبذة مدة هو وجماعته معه . . . ثم أطلق من معتقله فسار إلى بلنسية » ؛ ولعل الخلط إنما هو ما وقع فيه صاحب المغرب وحده ، إذ جعلهما شخصين وجعل أحدهما وزيرا .